كان يا مكان في خان جغان

Screen Shot 2017-03-22 at 6.45.20 PM

سماح المؤمن/واشنطن
بين مطرقة العنف والتهميش وسندان الفساد، تبدو فرص المجتمع العراقي في إحداث تغيير اجتماعي مناهض لقيم التحزب الطائفي والعشائري والعرقي في تضاءل وبالأخص بمنظار شريحة واسعة من الشباب الذين يخشون أن تتلاشى أحلامهم كما حصل مع أحلام أجيال سبقتهم جراء عقود من الحروب والصراعات التي أفرزتها حماقات السلطات السياسية المتعاقبة على حكم البلاد
وفي وسط حالة تشاؤم من القادم واستسلام لهذا الحاضر، يبرز مرة أخرى دور وسائط التواصل الاجتماعي في خلق نافذة أمل أبطاله مجموعة من الشباب الذين اختاروا عبور بعض الخطوط الحمراء التي تدجج بها مجتمعهم مستعينين بسرد بسيطـ، واحيانا جريء، لتجاربهم الشخصية التي تتأرجح بين حبال النجاح والفشل على جدران صفحة “خان جغان” التي انطلقت على الفيسبوك قبل عام ونصف وحيث لايزال الأخير يتربع  على صدارة أكثر منابر العالم الافتراضي انتشارا في العراق رغم هجرة البعض الى توتير إثر حملة أطلقها ناشطون مع انطلاق معارك التحرير  ضد تنظيم داعش الارهابي العام الفائت
وخلال عمرها القصير نسبيا،  نجحت خان جغان التي استمدت اسمها من اسم خان قديم في بغداد كان معروفا خلال فترة الحكم العثماني للبلاد يفد إليه المسافرون من شتى الاجناس والاعراق والاديان، في استقطاب نحو 180 ألف متابع بمعدل 4000 متابع جديد في الأسبوع بحسب مؤسس الصفحة والناشط في مجال حقوق الإنسان مصطفى الصوفي الذي يعد أحد أقطاب المدونين والنشطاء الشباب في العراق
وتبدو الصفحة لأول وهلة شبيهة في طابعها العام بما تقدمه صفحة (هيومانز أوف نيويورك) الشهيرة إذ تتبنى هي الأخرى ما يسمى اليوم في الإعلام الجديد بـ “السرد الرقمي” عبر استعراض قصص شخصية قصيرة مرفقة بصور ابطالها الا ان اهم ما يميز قصص الصفحة العراقية التي يكتبها أصحابها لا مدير الصفحة كما هو الحال مع الصفحة الاميركية، هو أهدافها التي تدور معظمها في مسار ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان
ومن هنا تندرج معظم القصص تحت مضامين حرية التعبير وحقوق المرأة والطفل والأقليات وذوي الاحتياجات الخاصة و تمكين الشباب والحث على مفهوم المواطنة بعيدا عن التصنيفات الطائفية والعرقية أو المناطقية مثلما لا تتوانى عن التطرق لما اعتاد العراقيون على درجه ضمن تصنيفات “العيب” او الحرام”  كقصص المثليين الجنسيين” التي أثارت جدلا حادا في أوساط متابعي الصفحة الذين انقسموا بين مؤيد ومعترض على حرية الانسان في اختيار ميوله الجنسية
واستثمرت الصفحة حمى موجات اللجوء التي ضربت شرائح واسعة في العراق مثلما الحال في سوريا صوب أوروبا نهاية العام الماضي مثيرة عاصفة من الانتقادات داخل البلاد في ظل إقدام البعض على تخوين طالبي اللجوء. ففي مبادرة منها لاحتواء العاصفة والاسهام في نقاش أعمق لاسبابها، اطلقت الصفحة هاشتاك (#لماذا_هاجرت) داعية طالبي اللجوء و المغتربين العراقيين الى شرح دوافع هجرتهم أو استعراض منجزهم بعد الاغتراب.  واسهمت منشورات عدد من المدونين الناشطين في داخل العراق وخارجه امثال يوسف التميمي واحمد الاغا ورضا الشمري في الاعلان عن الحملة

This slideshow requires JavaScript.

وجاءت استجابة الشباب لهذه الدعوة على نحو غير متوقع اذ انهالت العديد من القصص من عراقيي الخارج الذين لهم في المجمل حصة كبيرة في محتوى الصفحة يكاد يكون على نحو يومي. ولقي الهاشتاك تفاعلا عربيا انعكس بمشاركة بعض السوريين في سرد قصة اغترابهم. واسهمت تلك الحملة في ما يراه البعض رأب الصدع الذي كان حاضرا بقوة بين عراقي الخارج والداخل على منابر السوشيل ميديا في السنوات  الماضية، بل ان الصفحة تعد اليوم همزة وصل وتعاون بين الاثنين
وفي مسعى مواز، اطلقت وشاركت  الصفحة بعدد من المبادرات الدورية التي عادة ما تتمحور حول تعزيز اللحمة بين مكونات النسيج الاجتماعي العراقي كما هو الحال في حملة “#خل_نتصافى” او تلك التي تسعى لتشخيص نماذج إيجابية تعمل وفق امكانيات فردية على تحسين واقع الحياة حولها كما هو الحال مع حملة “عاشت ايدك“. ولاقت الحملتان تجاوبا واسعا حتى ان هاشتاكات الحملة لازالت تستخدم بنطاق واسع في تويتر والفيسبوك  حتى اليوم
واستعانت الصفحة بفضل شبكة علاقات مؤسسها، ببعض من المدونين العراقيين المؤثرين في السوشيال ميديا أمثال مفيد عباس وصالح الحمداني و أزهر جرجيس ونور القيسي و علي سام ورسلي المالكي وآخرون للترويج لهذه المبادرات في أوساط الشباب وصناعة ما أطلقت عليه “صناع السلام” الذين سيتم الاحتفاء به في مهرجان يقام برعاية بعض مؤسسات المجتمع المدني قريبا ببغداد. وفي هذا السياق وبفضل جهود بعض المتطوعين كثفت الصفحة من إنتاج أفلام قصيرة لبعض القصص المؤثرة التي تنوي عرضها خلال الاحتفال بحسب القائمين عليها
وربما أهم أسباب تفوق هذا الخان العراقي الافتراضي هذا هو ذلك الاحساس بالتجاور – أو التعاطف إن شئت – الذي يولده لدى رؤيتنا لصور أشخاص غرباء عنا تماما لا يجمعنا بهم سوى ذلك المشترك الإنساني الذي تفرزه حكايتهم وهي تنبش عن بقايا طموح ضائع وجد ضالته ربما في نجاح أحدهم، أو لعلها تلك الحسرة التي نطلقها عندما نتوحد مع النظرات التي تشي بها صور وجوههم
وتقوم الصفحة بنشر نحو ٥ الى ٧ قصص يوميا وهو عدد مرتفع نسبيا قد يراه البعض مرهقا للمتابع ويحرم القصص من فرصة ان تحظى جميعا بنفس القدر من الاهتمام لكنه مؤشر على امتلاء صندوق بريد الصفحة بكم هائل من الحكايات التي تريد ان تجد طريقها الى النشر
وتلاقي حكايات نزلاء الخان الافتراضي هذا تفاعلا غير مسبوق خصوصا في أوساط الإناث اللواتي تصل نسبة مشاركتهن بالتعليقات ونشر القصص والمتابعة نسبة ٥٠ في المائة بحسب القائمين على الصفحة وهي نسبة غير معتادة للسوشيل ميديا العراق حيث تتردد النساء عموما في التفاعل على هذا الكم والنحو في الصفحات  الجماهيرية التي عادة ما تكون نسبة الذكور فيها طاغية مثلما هي لغتهم وسجالاتهم الحادة التي لا تتردد احيانا في الخروج عن حدود المقبول من اللياقة الادبية
وربما يعود السبب وراء هذا المد النسوي الى طبيعة المواضيع الاجتماعية التي تتطرق لها الصفحة فضلا عن كونها أشبه ببوتقة اختبار لاسكتشاف آفاق المتاح للنساء أو  تقبل مجتمع ذكوري كالعراق لفرص إحداث تغيير  بات يفرض طوقا أكثر تشددا من الممنوعات عليهن مقارنة بما كان عليه قبل عام ٢٠٠٣
ولعل حساب الصفحة على موقع التواصل الاجتماعي الانستكرام الذي أنشأه القائمون هو مؤشر اخر على رغبة الصفحة في استدراج المزيد من هذا الجمهور الناعم الذي يتواجد بوفرة في هذا الموقع. ويتابع الحساب نحو ٧ الآف متابع وهو رقم كبير نسبيا اذا عرفنا ان الحساب استحدث قبل قرابة ستة أشهر فقط
وفي زمن السوشيل ميديا هذا حيث لا قدرة لاغلبنا على الصمود امام منشورات مطولة قد يستغرق استيعابها اكثر من دقيقة واحدة في افضل الاحوال، فأنه يحسب لخان جغان انها نجحت بجهود ذاتية لمجموعة محررين متطوعين في اختراق “الصمم” الاختياري الذي نضع انفسنا فيه كي  نتجنب المزيد من قصص الشجن العراقي الذي لا يريد ان ينضب. ومن هنا تبدو مهمة محرر القصص غاية بالصعوبة وهو يحاول اختصار وتكثيف مسار  القصة كي تعلق في ذهن القاريء، بل اكثر من ذلك،  تدفعه للتفاعل مع المنشور عبر تعليق او اعجاب او مشاركة
لكن الاهم من كل هذا وذاك هو أن “خان جغان” باسلوبها القصصي المتفرد تؤسس ربما لاول تجربة محلية جادة توظف السوشيل ميديا في مجال ترسيخ  ثقافة حقوق الانسان واستحثاث طاقات قيادية شابة عبر تفعيل دور المواطنة كأداة تغيير او في الاقل كاداة استفهام لاسئلة تسعى لاستكشاف جاهزية المجتمع لذلك التغيير
Advertisements