العراق فوق .. صفيح من الكاريكاتير الساخن

12510424_649955055145653_7540431734031531470_n

سماح المؤمن، واشنطن

ليس بالجديد ان يصبح الفيسبوك في العراق مقياسا يؤشر على حجم التأزم السياسي الذي لازالت تداعياته تلوح بالبلاد في ظل تنامي حالة الاستقطاب التي تسود بين مكونات السلطة التشريعية والتنفيذية بشأن اقرار حزمة اصلاحات حكومية يطالب بها الشارع منذ نحو عام

 فلجوء العراقيين الى الجدار الازرق بحثا عن التحليل السياسي والمعلومة، صار امرا معتادا في ظل غياب مصداقية الاعلام التقليدي الذي يسيره المال السياسي أو الحكومي. ووصلت نسبة العراقيين المقيميين داخل البلاد والذين اعتمدوا الانترنيت لاستقصاء الاخبار خلال الازمة الحالية نحو 58 بالمئة بحسب مسح اجرته مؤسسة كالوب الاميركية هذا الاسبوع

غير ان اللافت في الامر هذه الايام هو ان تفرز الازمة السياسية الاخيرة “اصلاحا” اعلاميا من نوع خاص لم يعتده العراق. فلاول مرة منذ عقود وفي بلد يتنفس شعبه الشعر و(الحسجة) وشغب الجدال، يصبح للمؤثر البصري ثقل اكبر من حجم الكلمة في سوق الاعلام الجماهيري والفضل هذه المرة لانامل الشاب أحمد فلاح 

فمنشورات رسام الكاريكاتير هذا على الفيسبوك، تأتي اليوم في صدارة قائمة الاشعارات التي يتلقاها العراقيون على هواتفهم الذكية و شاشات الكومبيوتر عندما يتصفحون الفيسبوك الذي لايزال الاكثر شعبية بين وسائط التواصل الاجتماعي في العراق غالبا بسبب حبهم للاستسهاب في السرد الكتابي الذي يقف موقع (توتير) على سبيل المثال، عائقا حياله بسبب محدودية عدد الاحرف المتاحة لكل تغريدة – 140 حرفا

وقد يخلو اسلوب فلاح احيانا من المزحة لكنه يستند عوضا عن ذلك على اختزال التفاصيل المزدحمة للمشهد السياسي العراقي في صورة فنية  ، تحاول ان تقترب من نبض استنناجات معظم المتابعين لذلك المشهد والذين لم يكن لهم يد في  طريقة “إخراجه”، اما ابطال العمل فهم بلا شك المستاء الاكبر

وبينما تحتل وجوه الشخصيات السياسية غالبية اعمال فلاح الا ان تصويره لها يأتي صادما في احيان كثيرة انطلاقا ربما من مبدأ ان انجع علاج لتحريض ضمائر شخوص العمل وليس المتلقي، هو الكي. ونادرا ما تأتي أعمال فلاح مع تعليق أو شرح مصاحب لفهم العمل إذ يترك الفنان لجمهوره مهمة لملمة خيوط الفكرة لكن من دون عناء يذكر، فغالبا ما يشي عمله بدلالات واضحة ترتبط بـ “بهلوانات السيرك” السياسي العراقي واصحاب النفوذ الديني والاقليمي

This slideshow requires JavaScript.

وتبدو شخوص وتفاصيل العمل الكاريكاتيري لفلاح منسجمة مع بعضها سواء اختار لها ظهورا صريحا عبر (بورتريهات) تكشف عن تخطيط لوجوه معروفة اوعبر تفاصيل ثانوية قد تتخذ شكل الملبس او ربما مكان الحدث. ويلجأ فلاح  في اغلب رسوماته الى تقنية (الفوتومونتاج)، معتمدا على استخدام برنامج (السكتش بوك) الذي يتيح الجمع بين الصور والرسم

وفيما تقف حرية التعبير في سلة الانجازات التي خرج بها ابناء البلاد منذ زوال عراق صدام الذي كان طابقا بمخابراته وإعلامه المؤدلج والموجه على افواه العراقيين، الا ان هامش الحرية هذا كان محط اختبارات عدة مؤخرا كشفت انه ليس بمستوى الطموح جراء العصف الديني الذي الحقته الاحزاب الاسلامية من ناحية، والجماعات الارهابية من ناحية اخرى بالنسيج الاجتماعي لكل المكونات العراقية، فضلا عن التصحر الذي اصابها جراء هجرة العقول العلمانية التي طالما كانت حلقة الوصل بين العراق والمدنية

ووضع القمع الاجتماعي للحريات الذي تمارسه غالبية الجماهير تحت تأثير الواعز الديني، احد أعمال فلاح في بودقة الاختبار عندما استلهم العراقي الشاب من لوحة الفنان الايطالي ليوناردو دافنتشي التي تجسد مشهد السيد المسيح بمعية صحابته في ما يعرف بلوحة “العشاء الاخير”، رسما كاريكاتيرا يجمع بين اقطاب السياسة في البلاد، ودَ العراقيون المؤيدون لتظاهرات الاصلاح لو كان عشاؤها هو الاخير فعلا لهولاء

واثار الرسم سخط شريحة من المكون المسيحي الذي يعد الاكثر سلمية في المجتمع العراقي، متمثلا باصوات مدونين يدعون الى الاعتدال، اذ عدوه اساءة لرموزهم الدينية المقدسة. ولربما يكون هذا السخط  غير المتوقع هو احد تداعيات الهجمات التي شنها ما يسمى بتنظيم “الدولة الاسلامية” (داعش) على منازل المسيحيين في مدينة الموصل بشمال العراق والتي ادت الى زعزعة ثقة المكون بشركائه في الوطن فضلا عن التهميش الذين يتعرضون اليه من الاحزاب المشاركة في العملية السياسية. كما اثار رسم اخر يتهكم بقاسم سليماني، المسوؤل الايراني الاول عن الملف العراقي، سخط حشد من الشيعة الذين يرون في التدخل الايراني سياسيا وامنيا حصانة لامن البلاد القومي من غرماء النفوذ

13083207_1192490400785047_8247273606701497338_n

وتتخطى غالبية اعمال فلاح الخطوط الحمراء مطيحة بنقدها اللاذع  بالهرم السلطوي بدءا من رئيس الوزراء السابق نوري المالكي ومرورا بخليفته حيدر العبادي وبرئيس البرلمان واعضائه وبرجل الدين الشيعي البارز مقتدى الصدر ورئيس الاقليم في كردستان مسعود برزاني. وفي هذا السياق اثارت رسومات فلاح التي الحقت الطبقة السياسية الحالية في العراق بمصاف اعمدة النظام الصدامي البائد عندما تنبأت لهم بمحاكمة علنية مشابهة، موجة عاصفة من التأييد بين جمهور متابعيه

ووفقا لمقابلة اجرتها معه صحيفة (المونتور) الالكترونية، اضطر فلاح اثر تلقيه تهديدات بالقتل جراء اعماله هذه الى مغادرة البلاد الا ان ابتعاده عن دائرة الخطر، أسهم في تدفق المزيد منها والتي لا تزال الصحف المحلية لا تجرؤ على نشرها حيث بقيت معلقة على حائط فلاح في الفيسبوك

وبين مؤيد ومستهجن لاعمال فلاح، يبقى الكاريكاتير السياسي وسيلة اعلامية توثيقية  تقترب في تقنيات تنفيذها من ضفاف الفنون الجميلة. اما سايكولجيا فيوفر الكاريكاتير جرعة ترفيهية تنفيسية للكثير الا انه كذلك سبب في اثارة حفيظة البعض الذي قد يتصرف بعدائية. وبين الترفيه والعدائية، هناك متسع للمتلقي المتعقل لان ينظر الى العمل من خارج صندوق المقدسات على انه تمرين ذهني يستعرض مشكلة ما وربما يؤشر ضمننا على الحل لو شاء له رسامه ذلك 


Read in English

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s