تظاهرات الاصلاح.. تنفض غبار الزمن عن العراقيين

Screen Shot 2015-08-22 at 10.34.45 PM

واشنطن – سماح المؤمن

كشفت تظاهرات الجمع الثلاث الاخيرة التي جرت في ساحة التحرير في بغداد وبعض المحافظات العراقية الكبرى عن وعي جماهيري فاق كل التوقعات وبدى جليا في الصورة الاخراجية التي غازلت انظار الملايين عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الاعلام التقليدية، نافضة عنها غبار عقود من التراجع الدعائي الذي يؤخذ على العراقيين في هذا المجال

فبعيدا عن التداعيات السياسية التي أحدثتها والتي يمكن أن تؤل إليها، أطل المتظاهر العراقي بشكل جديد لم تعتده عيون المراقب المحلي والعربي والاجنبي، فكان مفعما بشغف التغيير الذي طال كل وسائله الاحتجاجية فأتت منسجمة مع حرصه على إنجاح الحدث دون أن تفقد القدرة على الابهار بل والامتاع أحيانا

ولعل البعض يعتقد أن هناك نوعا من المبالغة في وصف هذه الصورة الاخراجية التي لا بد من جندي أو جنود مجهوليين يقفون ورائها، لكن المتابع للمشهد العراقي بكل حيثياته عليه أن يضع في الحسبان أن تنظيم هذا المهرجان الاحتجاجي جاء في ظل ظروف أمنية قاسية تنوء بها البلاد منذ عقد من الزمان وفي أوضاع اقتصادية وخدماتية متردية تصل حد التلاشي، فضلا عن سخونة في الاجواء ترتفع لدرجات اللهب. كل هذه الاسباب لم تثن العراقي عن الخروج بعد أن فاض الكيل به من غول الفساد الاداري الذي استشرى حتى بات يلتهم أنفاسه

وتصدرت مشهد التظاهرات التي يحسب ايضا لها سلميتها لشعب غالبا ما يصف نفسه على أنه مجبول على التصارع حتى مع ثيابه، الاهزوجة العراقية الشعبية (الهوسة) التي ببساطة وموسيقية كلماتها اختصرت ما تغص به قلوب العراقيين من مرارة فكانت ذكية في اختزال الرسائل الموجهة لجمهورها من صناع القرار وحاشيتهم

“باسم الدين باكًونا الحرامية” و”أحنا مو أحزاب أحنا المدنية، نصيح كلنا بصوت واحد لا للطائفية” ربما تبدو كلمات عادية لقاريء من خارج العراق اعتاد قراءة اخبار هذه البلاد في الصحف والمجلات، لكنه أن كان متابعا جيدا للشأن العراقي، فسيدرك انها تجسيد مختزل بليغ لمشاعر شعب ضاق صدره من الفئوية والمحاصصة وكل العنوانين التي تريد قص نسيجه الاجتماعي لتصنع منه فستانا مبتذلا لحفلة شواء لا تريد أن تنتهي

Screen Shot 2015-08-23 at 8.55.35 AM

وربما لهذا السبب جاء القميص الأبيض للمتظاهرين في رمزية أراد منها المنظمون التأكيد على نصاعة نوايا المتظاهرين وسلمية وسائلهم وتفردهم عن باقي المجاميع التي حاولت سرقة التظاهرات وتحويل دفتها لخدمة اجندات حزبية واقليمية

وعلى غير ما جرت عليه العادة في التظاهرات العراقية على مدار السنوات الماضية، جاءت جمع ساحة التحرير الأخيرة ببغداد ونظيراتها في ذي قار والبصرة وكربلاء والنجف وبابل  بوسائل احتجاجية جديدة تقارب ما درجنا على مشاهدته في مصر ولبنان مثلا وبقية الدول المتقدمة عالميا. ربما من أبرز تلك الوسائل هي الرموز التهكمية أو الفكاهية التي يراد من خلالها استقطاب الاعلام الذي عادة ما يبحث عن صورة مثيرة بدلا من الصور التقليدية لجموع المتظاهرين. فجاءت (المبردة) و(السخان) في إشارة لسوء خدمات الكهرباء في موسم الصيف الساخن الذي يشهده العراق كل عام، فيما تنكر بعض المتظاهرين بالزي الهندي في اشارة الى ضيق ذرعهم بتصنيفات الدين وآخرون بمظهر الانسان القديم في اشارة لما آلت إليه أحوال العراقيين في ظل فساد الطبقة الحاكمة والتشريعية. جرأة شعارات اليافطات والبوسترات والاهازيج في التصدي لاشخاص هاتين الطبقتين وتشخيص عيوبهما لامست قلب الحقيقة وان حفلت بالتهكم والمزاح والحسجة الذكية

Screen Shot 2015-08-22 at 10.34.13 PM

وكان للفيسبوك الذي يتسيد وسائل التواصل الاجتماعي في العراق، دور رئيس في تحشيد المشاركين ونقل مظاهر الاحتجاجات حتى بات الوسيلة الاعلامية الاولى لمتابعة ما يجري في مسارح ساحة التحرير ببغداد والمدن العراقية الاخرى، فضلا عن تداعيات الاحداث السياسية التي افرزتها الجمع الثلاث الاخيرة. ورغم أن السجال بين المدونين العراقيين اخذ في بعض الاحيان طابع التشكيك في جدوى التظاهرات أو كاد أن ينزلق وراء صراعات شخصية الإ إن نوايا الغالبية كانت تسير به نحو النقد الموضوعي الذي ينشد التصحيح والتنبيه

وربما يرى البعض ان (السيلفي) كان الطابع الابرز لنوع الصور التي زينت جدران الفيسبوك العراقي غير أن المتابع في الخارج كان أكثر سعيا لمشاهدة الافلام التي وثقت الاهازيج الشعبية وتلك التي كانت تصدح بالنشيد الوطني أو التي احتضنت حشود المتظاهرين في لقطات بانورامية التقطتها شاشات الهواتف الذكية. ولعله يجدر التذكير هنا بأهمية أن يحرص المنظمون والمشاركون معا على إطلاق (هاشتاك) واحد موحد يسهم في استقطاب متابعة اعلامية هم بلا شك بحاجة لأن تتسع أكثر

11800482_1636382509909029_454408307557389541_n

ولم تغب الشخصيات العامة التي لا غبار على وطنيتها ومدنيتها كالفنانين ونخب المدونين عن المشهد إذ كان لها نصيب في منح التظاهرات زخما أكبر أقنع الكثير من الجالسين في بيوتهم بهجر الفضاء الافتراضي لساعات والمشاركة في صناعة الحدث الذي قد ينجح في فرض نوع من التغيير الايجابي خصوصا في ظل غطاء الحماية الذي منحته بعض المرجعيات الدينية بمصداقتها على مطالب التظاهرات

وبعيدا عن التدقيق في وسائل التعبير التي استخدمت في هذه التظاهرات التي لازالت تحبو نحو مسار قد يطول قبل أن يقطف العراقيون ثماره وبعيدا عن الاختلافات التي يراها البعض في كونه يقارب الى أن يكون مهرجانا لا احتجاجا، فإنه نجح في تغيير قناعتنا بقدرة الفرد العراقي على صناعة الحياة بعد أن ظل حبيس زنزانات  الموت التي تتلقف خطواته

Advertisements