مقاربات مفيد عباس الكوميدية.. تمتحن إنسانيتنا

60453_534032436636944_1986994233_n

                                                                                           مفيد عباس

Read the English version 

سماح المؤمن ـ واشنطن

برغم اتساع حجم خريطة المدونين في العراق الذين يتخذون من وسائط التواصل الاجتماعي وفي مقدمتها الفيسبوك، وسيلة للتأمل في ما وصل إليه حال البلاد، غير أن المراقب للمشهد قد يرصد وجود انحسار محسوس في حجم التفاعل الالكتروني للقراء

وتتناول في الغالب منشورات المدونين على نحو يومي كل مفاصل الجسد العراقي المنهك بفعل حمى الازمات التي تنوء بها البلاد، فتأتي تارة متعاطفة مع حشود النازحين جراء عنف الجماعات التكفيرية، ناقمة على تقاعس وفساد رجال الحكومة والبرلمان كما نسائهما، ومتذمرة من تدخل الجار والغريب

ومع أن الطروحات التحليلية لبعض هولاء المدونين تمتلك أدوات الاقناع، لكن تشابه القوالب وإن اختلفت الامضاءات، قد يكون وراء الركود الذي تشكو منه صفحات بعض أشهرهم

ولضغوطات الحياة، وما أكثرها في العراق، تداعياتها هي الأخرى على ذائقة مستخدمي الفيسبوك، إذ يبدو معظمهم مهتما بالبحث هذه الأيام عن المتعة الافتراضية بعد ان اتخمه الواقع بالاحزان

وأسهم هذا المنحى في ازيداد متابعة صفحات مدونين لا تثقل هموم البلاد جدران صفحاتهم. ولعل مفيد عباس واحد من القلة التي اتخذت في السنوات الماضية من حس الفكاهة فرشاة لرسم الابتسامة على وجوه اعتادت قسماتها على العبوس جراء أوضاع البلاد

لو الله خالقني..هي محطة يومية استدرج عبرها عباس جمهور الفيسبوك إلى صفحته حتى تجاوز عدد المتابعين والاصدقاء معها حاجز الـ7 الاف شخصا. وعبر هذا المنشور يقدم عباس لجمهوره فرضيات بشأن موطن ولادته ونشأته جاب عبر بساطها معظم بقاع العالم

فلو كان الله خلقه إيطاليا لكان اسمه روبرتو سميوني واسم (الكبد) أي الحبيبة كما في الدارج العراقي، كلوديا كالديني ولكان الان يملك محل لبيع الأحذية بينما هي (صيدلانية بالصيدلية) التي تقابل محله

ولو كان الله خلقه تنزانيا لكان اسمه جوماها تيريري ميزغوا ولكان اسم (الكبد) زوغيتا مريشيو كيكوتي ولكان هو يعمل في المحمية الوطنية للحيوانات البرية بينما هي تعمل بـ (صيدلية بيطرية) ولو كان الله خلقه اميركيا لكان اسمه (كيفن بروان) من ولاية لاس فيكاس حيث يعمل في صالة قمار بينما (الكبد) اسمها جيسكا براون وعادة ما تجلس لتلهو باحدى مكائن القمار في ذات الصالة

وهكذا في كل هذا المنشورات التي أصبح القراء ينتظرونها، كما ينتظر الاولاد الصغار حكاية آخر الليل، يسعى عباس عبر اسلوب مختزل وغير مباشر لتقريب هوة الانعزال الانساني الذي يفصل العراقيين عن باقي شعوب العالم نتيجة شعورهم بالتفرد بكم الهموم المفرط

وبينما يغلف الخيال والفكاهة منشوراته، يبدو جوهر سرديات عباس بنبضها الشعبي وكأنه يشبه شخصيته الحقيقية كما يظهر ذلك في عفوية الكلمات التي تأتي بلهجته البغدادية. وربما تكون منشوراته الأخرى التي تتطرق لطرائف مستقاة من حياته اليومية في العمل والبيت وراء هذا الايحاء الذي يشترك في لمسه معظم جمهوره

وفي محاولة للخروج بعض الشيء عن عباءة (لو الله خالقني) التقليدية، اختار عباس الذي يملك محلا لبيع الملابس الرجالية في بغداد الباس منشوراته لونا جديدا بدى متامشيا في توقيته مع (التقليعة) التي اطلت هذا الشتاء وتجسدت خطوطها جليا في الهجوم المسلح على صحيفة شارلي ايبدو بباريس

الهجوم الذي هز عاصمة النور مؤخرا وتداعت له مشاعر العالم كان حاضرا في صفحات الفيسبوك العراقي الذي انقسم مستخدموه بين متعاطف واخر مستنكر لكم هذا التعاطف الذي بدى للبعض مبالغا فيه أمام حجم القتل الذي يخبره العراقيون كل يوم ولأكثر من عقد من الزمان

من هذا المنظور وسعيا لسبر إنسانيتنا بعيدا عن معادلات التحزب والانغلاق الديني، يدعونا عباس إلى رحلة عبر آلة العودة بالزمن، لنتخيل معا.. لو إن الله كان ليخلقه في عصر الجاهلية وصدر الاسلام

وفي مغامرته الجديدة هذه التي تجاوزت حتى ساعة كتابة هذا المنشور ١٩ حلقة، يملك عباس أو (جرهم بن كليب الخزاعي) محلا لبيع الالهة استبدله بعد دخوله في الدين الجديد ببيع المخطوطات القرانية. وتبدو قصص الحب التي يعيشها جرهم مع حنتمة بنت عياض المخزومية وجمانة بنت بديل الدئلي على بساطتها اقرب لقصص حب هذه الأيام حافلة بالمقالب والتقلبات ومحتكمة لمعادلات الصراع الذي الم بالمجتمع العراقي منذ عام ٢٠٠٣

ويكتب عباس بنكهة كوميدية تجمع بين الماضي والحاضر مستحضرة رموز زمنية وبيئية متناقضة تضع الهاتف النقال وامتطاء الجمال في ذات السلة، مثلما تتواجد نقاط التفتيش الوهمية في عرض الصحراء. وكذلك الحال بسير الحياة اليومية وما يشوبها من مقاربات ساخرة بطلها جرهم الذي يظل مستحوذا على تعاطف القاريء بعفويته رغم تأرجح معتقداته جراء حروب قريش والمسلمين

وفي استعارته وجمعه لاسماء وأشعار وأحداث ارتبطت بحقبات زمنية متباعدة يحاول عباس زرع بذور التساؤل في نفوس القراء بشأن بعض القناعات الموروثة التي قد تأتي أحيانا بلون واحد ومن منظور واحد فتبتعد عن ميزان الانصاف وقد لا تخلو من المبالغات أو حتى المغالطات

ويبدو عباس في مغامرات (جرهمه) كمن يحاول عبر كوميديا عفوية سلسة تفنيد الخطاب الديني المتشدد الذي يستثني (الأخر) عبر التأكيد على إنسانية هذا الأخير ودفع القاريء لارتداء جلبابه ولو لبرهة من الزمن، املاً  في تذكيرنا بإننا مهما اختلفت انتماءاتنا الدينية والعرقية نشترك في اننا لا ننشد غير عيش رضي لا تكبل  أحلامه البسيطة أصفاد المتشددين

المقال نشر في جريدة العالم الجديدة البغدادية في ٢٧ يناير٢٠١٥

Advertisements

2 thoughts on “مقاربات مفيد عباس الكوميدية.. تمتحن إنسانيتنا

  1. شكرا سماح المؤمن على تعريف العالم بمفيد عباس فالكلام عن العراق اصبح محصورا باخبار العنف ومفيد هو احد مصادر بعث الابتسامة والامل في عراق كثر فيه الياس

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s