النوستالجيا: تسويق الافكار بعدسة الماضي الجميل

117171

سماح المؤمن

(النوستالجيا) او الحنين الى الماضي في بعض أو جميع مفرداته، هو شعور لطالما تخلل احاديثنا مع العائلة والاصدقاء أو رفقة الجيل الأكبر سناً، حباً من أحد الطرفين أو كلاهما في استرجاع ذكريات أثيرة ودوا لو أن عقارب الزمن تعود الى الوراء لتستنسخ منها المزيدفي مثل هذا النوع من الأحاديث التي عادة ما تتشعب، ينفض المتحدث الغبار عن عالم “وردي” يقترب في مخيلته ولاسبابا غالبا ما تكون شخصية، من المثالية لكنه ليس بالضرورة كذلك

وفي العموم تنتهي تلك الاحاديث بحسرة يتوجها المقطع الشهير لسيدة الشرق أم كلثوم “عايزنا نرجع زي زمان، قول للزمان ارجع يازمان”! واضعا خاتمة حزينة لمشاعر مريحة استمرت ربما لدقائق. وقد يفطن الكثيرون إلى أن هذا الطابع من الحنين أصبح في الأونة الأخيرة يحاصرنا حتى خارج أسوار البيت والمقهى والعمل، بل يكاد يكون ختم يمهر إعلانات التلفاز والكليبات الغنائية وتقارير الصحفيين وبوستات مدونو وسائل التواصل الاجتماعي وصفحاتها

وكما هو الحال في الشرق، يمتد نطاق هذه الظاهرة ليطال الغرب أيضا، فهذا الشعور بالحنين أمر إنساني يتشارك فيه العراقي والمصري والأمريكي والياباني والفرنسي والمكسيكي وإن اختلفت دوافعهم في بعض التفاصيل. في نهاية الأمر، الجميع من وجهة نظر خبراء الاعلام الاستراتيجي والتسويق الدعائي، مستهلكون يشعرون بالقلق من القادم ويجدون راحة في استذكار الماضي بما يوفره بساطه السحري من آمان نفسي

وكي نبسط الموضوع أكثر، فالعراقي يجد راحة في استذكار الأيام الخوالي التي لم يكن يخشى فيها على حياته وحياة أسرته ولم يكن هناك تهجير أو نازحين والغالبية من النساء تواكب خطوط الموضة ورب الأسرة يملك أن يسافر مع عائلته صيفاً إلى لبنان وكلنا نعيش في “ود ووئام”. والاميركيون يتوقون لأيام الازدهار الاقتصادي الخالي من ضجيج الإلكترونيات، عندما كان العشاق يذهبون لمشاهدة أفلام هوليوود وهم يجلسون في سيارات الفورد المكشوفة الفارهة ويملكون شراء تذكرة مباريات كرة القدم الامريكية او البيسبول

ويستثمر الكثيرون توق المستهلك لاستنساخ تجارب الماضي تلك عبر منتوجات تمد جسور الثقة بين الماضي والمستقبل. و لعل ذلك هو السبب وراء نجاح إعلان تجاري كالذي خرجت به شركة (بيبسي) للمشروبات الغازية في مصر، عندما انتجت في رمضان المنصرم إعلان (يلة نكمل لمتنا). الاعلان الذي جمع مشاهير مثل اعضاء (فرقة الفور أم) وفريق عمل مسرحية (المتزوجون)، سمير غانم وجورج سيدهم وشيرين، وبعض نجوم الرياضة والفن الاخرين، جاء بعد دراسة لحاجة المستهلك المصري لنوع من الاستقرار المرتبط بتلك الايام دون اقحام لاي رموز سياسية من تلك الحقبات باستثناء هولاء الفنانين الذين يتفق الجميع على ودهم. لقد استثمر منتج العمل حنين الناس للماضي فشحنهم بجرعة عاطفية رومانسية عززت خلال فترة الاعلان الزمنية، مشاعر الوحدة الوطنية التي هم أحوج لها من أي وقت مضى جراء وضع أمني وسياسي متأزم

ربما يسأل الكثيرون مالذي كسبته شركة (بيبسي) من ذلك؟ الشركة قدمت نفسها عبر هذا الإعلان كراع للسلم الاهلي يهمه بقدر الربح التجاري، كسب احترام المصريين. بفضل هكذا إعلان، تصبح الشركة مرتبطة في أذهان المصريين بقيم إيجابية تضيف لسمعتها التجارية في السوق المصري الكثير. ولا يقتصر الأمر عند الاعلانات والكليبات الغنائية بل يتعاده لكتاب الاعمدة الصحفية وحتى مدونو السوشيل ميديا وفق سياق وتوظيف ذكي وإن كان أحيانا فطريا، يهدف لتبسيط الفكرة موضوع النقاش ودفع المتلقي لتغير تعاطيه معها

ربما أفضل مثال للقارىء العراقي هو ما تقدم عليع بغض صفحات الفيسبوك، كصفحة (بغداد)، بين الحين والاخر من وضع صور لمفردات من الماضي القريب. الصفحة التي تحظى بمتابعة نحو نصف مليون متابع غالبا ما تلجأ لوضع صورة لقطعة شوكلاته يفتقدها السوق، أو صورة لمضيفات الخطوط الجوية في الثماننيات، أو صورة لسيدات عراقيات غاية في الاناقة من حقبة الستينات أو صور العائلة المالكة في العراق وهي في جميع الاحوال تواكب ما تفعله صحفات اخرى حققت نجاحا جماهيريا باتباع نفس الاسلوب الذي يتماشى مع هدف الصفحة. وقد يلاحظ أن بعض الصور كتلك التي تجسد معالم المدينة، يكون لها مردود مضاعف على العراقيين خارج الوطن مما يعزز دور الحنين في التجواب الايجابي مع ما تقدمه الصفحة

و مما لا شك فيه أن استثمار ذكريات المتلقي وتعلقه بمفردات الماضي التي ضاعت في سوق الحاضر هو إسلوب يسهم في زيادة مبيعات البضاعة محل العرض، معنوية كانت أم مادية، غير إنه يجدر التذكير أن تبني هذا القالب بكثرة قد يفقد الاثارة مع مرور الوقت، فيشعر المتلقي، خصوصا من لم يعش ذلك الماضي، بالرتابة والملل وأن البضاعة اصبحت فاقدة لصلاحيتها بحكم الزمن فيشيح بوجهه عنها

###

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s